فخر الدين الرازي
202
شرح عيون الحكمة
هذا العلم انما يحصل إذا عرضنا على العقل جميع المقدمات التي لا نهاية لها ، وعلمنا أن العقل لم يحكم في شيء منها بحكم يوجب نقيض حكمه في هذه الصورة . فعلى هذا ، العلم بصحة حكم العقل في القضية المعينة ، يلزم أن يؤول على علمه بأحكام القضايا التي لا نهاية لها ، وعلى العلم بأن شيئا منها لا يوجب نقيض هذا الحكم . إلا أن هذا الشرط متعذر التحصيل ، فوجب أن يبقى المشروط مشكوكا . وذلك يوجب القدح في البديهيات ، واشتباهها بالقضايا الباطلة . الثاني : هو أنا نجد من أنفسنا جزما قاطعا في بعض القضايا . ثم انكم زعمتم أن هذا الجزم تارة يكون من قوة أخرى مسماة بالوهم . الا ( أن ) الفرق بين العقل والوهم ليس معلوما بالبديهة . بل أقصى ما في الباب : أن يكون معلوما بالاستدلال الدقيق . فلو توقف الجزم بصحة البديهيات على صحة النظريات ، لكانت « 7 » صحة النظريات موقوفة على صحة البديهيات . ويلزم الدور . وهو باطل . الثالث : في القدح في هذا الفرق كسائر الوجوه المذكورة في الفرق الأول . فثبت بما ذكرنا : أن هذه الفروق ضعيفة . وأنا لو سلمنا حصول الاستواء بين البديهيات وبين المشهورات والوهميات ، لزمنا القول بالسفسطة لزوما لا خلاص عنه . السؤال الثالث : ذكر « الشيخ » في بيان الأوليات مثالين . وهما قولنا : الكل أعظم من الجزء ، والأشياء المساوية لشئ واحد متساوية . واعلم : أن المقدمة الأولية حقا عندي : هي قولنا : النفي والاثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان . فأما قولنا : الكل أعظم من الجزء ، فهو فرع على تلك المقدمة . وذلك لأنا نقول : ان كان الكل مساويا للجزء ، فحينئذ لا يبقى بين وجود الجزء الآخر وبين عدمه تفاوت في نفس الأمر ، وحينئذ يصدق على ذلك الجزء : كونه موجودا معدوما معا . وهو محال .
--> ( 7 ) لكن : ص .